عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

215

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

لميعاده حتى تعلّم كثيرا من العلم ثم لازم الخير والخدمة في المسجد ، إلى أن وصل إلى القيروان الشيخ أبو عبد اللّه البسكري تلميذ أبي الفضل البسكري ، وصحبه مدة وانتفع به ، ثم ارتفعت أحواله وأخذه في المجاهدة ، وسلوك سبيل الرياضة وصحب جماعة من كبار المشايخ وانتفع بصحبتهم . ومن كراماته ما تقدم له في قضية السماع . وقيل لأبي عبد اللّه القرشي لم منعت السّماع ؟ قال : لما فيه من المقاصد لغير اللّه ، ولما قدم الشيخ أبو يوسف سأله الإذن فيه وحضوره معه ، قال : هذا باب سددناه ومنعناه ، فقال له : أنا قادم ولي عليكم كرامة القدوم ، فأجابه إلى ذلك ، فجعل مجلس سماع حضر فيه اثنا عشر رجلا من الأكابر ، وجمع من الطلبة والمحبين ، فلما أخذوا في السماع ، تواجد الشيخ أبو يوسف ، وارتفع من موضعه في الهواء وقتا ، وقام الشيخ أبو عبد اللّه القرشي على قدميه وكان زمانا مقعدا منذ أعوام تقدمت ، قال أبو عبد اللّه القرطبي : فجعلت أمدّ يدي وأنا قائم على صدور قدميّ ، لعلي ألحق قدم الشيخ أبي يوسف وهو في الهواء فلم أستطع ، فدار ذلك البيت جميعه ثم عاد إلى موضعه وأنا انظر إلى بياض قدميه وهو في الهواء ، فكان الشيخ أبو عبد اللّه يقول : تقولون ذهب الرجال ؟ انظروا إلى هذا البدوي ، وكان رحمه اللّه تعالى ركب بحر القلزم من مصر إلى جدّة فهاج البحر وكان في السفينة طعام السلطان فأراد خدّام السفينة أن يلقوا بعض المغاربة ليسلم طعام السلطان فقال لهم الشيخ : اتقوا اللّه تغرقون المسلمين من أجل الطعام ؟ فقالوا نخاف عقوبة السلطان ! فقال لهم : ارموا القمح فما نقص منه فعلي ضمانه فقيّض اللّه رجلا من الغز كان في المركب مع الشيخ فأخذ سيفا وقال : إن لم تفعلوا ما قال لكم ، وإلا قتلت منكم ما أقدر عليه ، فاتفقوا على أن كتبوا على الشيخ وثيقة وأشهدوا عليه بذلك ، ثم رموا ما أمكنهم ، ولطف اللّه بسلامة المسلمين ، فلما وصلوا إلى جدّة ثقف خدام السلطان خدام السفينة وقالوا : من أين لهذا المغربي ما يؤدي منه ؟ ثم أحضروه فقال لهم : تعالوا إلى المركب وكيلوا طعامكم ، فما نقص فعلي ، فساروا وقال كيلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم فكالوا جميع طعامهم من الذي بقي ، ولم ينقص شيء ، هكذا حدثني جمع من الفقراء . وحدثني بعضهم أنه طلبوا الشيخ ، وجدوه مقابلا للبحر جالسا على ساحله والأمواج تأتي بالقمح شيئا بعد شيء ، حتى كيل لهم جميع ما طلبوه ، ثم طلبوا